مرت شركات التطوير العقاري في المنطقة خلال العقود الأخيرة بتحول واضح في طريقة خلق القيمة. فالنموذج التقليدي القائم على شراء الأراضي وتطوير الوحدات ثم بيعها للمستهلك النهائي لم يعد المسار الوحيد للنمو. ومع اتساع المدن السعودية، وزيادة حجم المشاريع العمرانية، وتطور أسواق التمويل العقاري، أصبحت بعض الشركات تتجه إلى نماذج أكثر تنوعاً تجمع بين التطوير والاستثمار وإدارة الأصول والشراكات طويلة الأجل.
تقدم دار الأركان مثالاً واضحاً على هذا التحول. فالشركة، التي بدأت نشاطها في السوق السعودي وارتبط اسمها لسنوات بتطوير وبيع العقارات السكنية، توسع اليوم نطاق أعمالها ليشمل أنواعاً مختلفة من الأصول والمشاريع والشراكات. وتصف الشركة نفسها حالياً بأنها شركة للاستثمار العقاري وإدارة الأصول، وهو تحول يعكس تغيراً أوسع في طبيعة نموذج أعمالها.
النموذج التقليدي: الأرض والتطوير ثم البيع
في أبسط صور التطوير العقاري، تبدأ دورة المشروع بالحصول على أرض في موقع يتوقع المطور ارتفاع الطلب عليه. بعد ذلك تأتي مراحل التخطيط والبنية التحتية والبناء والتسويق، وصولاً إلى بيع الوحدات أو الأراضي المطورة.
يمتاز هذا النموذج بإمكانية تحقيق عوائد كبيرة عند نجاح المشروع، لكنه يتطلب في المقابل رأس مال مرتفعاً ويجعل التدفقات النقدية مرتبطة بدورة التطوير والبيع. فقد تمر سنوات بين شراء الأرض وتحويل الاستثمار فيها إلى إيرادات فعلية، كما يمكن أن تتأثر نتائج الشركة بسرعة المبيعات وأسعار العقارات وتكاليف التمويل والبناء.
ظل تطوير العقارات عنصراً مهماً في أعمال دار الأركان. وتظهر البيانات المالية لعام 2025 أن قطاع العقارات التطويرية، الذي يشمل الأراضي والمشاريع السكنية والتجارية، كان أكبر مساهم في إيرادات المجموعة خلال ذلك العام.
لكن استمرار أهمية هذا النشاط لا يعني بقاء الشركة ضمن النموذج نفسه الذي اعتمدت عليه في مراحل نموها الأولى.
من بيع العقار إلى الاحتفاظ بأصول تولد دخلاً
أحد أهم أوجه تطور نموذج الأعمال العقاري هو الانتقال من الاعتماد الكامل على البيع إلى امتلاك بعض الأصول التي يمكن أن تحقق تدفقات نقدية متكررة.
العقار التجاري أو الفندقي أو السكني المؤجر يختلف اقتصادياً عن الوحدة التي يتم تطويرها ثم بيعها. في الحالة الأولى، تحتفظ الشركة بالأصل وتحصل على إيرادات مرتبطة باستخدامه أو تأجيره. أما في الحالة الثانية، فيتحقق الجزء الأكبر من العائد عند إتمام عملية البيع.
تضع دار الأركان العقارات المدرة للدخل حالياً ضمن الركائز الأساسية لمحفظتها الاستثمارية، إلى جانب الأراضي الاستراتيجية والاستثمارات والشراكات والحلول المالية.
هذا النوع من التنويع يمكن أن يجعل مصادر الإيرادات أقل اعتماداً على توقيت عمليات البيع وحدها. لكنه يضيف أيضاً مسؤوليات مختلفة، مثل إدارة معدلات الإشغال، والمحافظة على جودة الأصول، ومراقبة تكاليف التشغيل والعائد الفعلي على رأس المال المستثمر.
الأراضي لم تعد مجرد مخزون ينتظر البناء
تمثل الأراضي عنصراً أساسياً في ميزانيات كثير من شركات التطوير العقاري، لكن طريقة استخدامها يمكن أن تتغير مع تطور الشركة.
بدلاً من التعامل مع كل أرض باعتبارها موقعاً يجب تطويره مباشرة، يمكن الاحتفاظ بأراضٍ في مناطق توسع عمراني لسنوات، أو إدخالها في مشروع مشترك، أو تطويرها على مراحل، أو استخدامها كأساس لمجمعات عمرانية كبيرة.
هذا التحول مهم لأن قيمة الأرض لا تعتمد فقط على المباني التي يمكن إنشاؤها فوقها، بل أيضاً على موقعها، والبنية التحتية المحيطة بها، والتنظيم العمراني، والطلب المتوقع في المنطقة.
دار الأركان تشير إلى الأراضي الاستراتيجية باعتبارها إحدى ركائز نموذجها الاستثماري الحالي، مع التركيز على المواقع المرتبطة بالتوسع الحضري والطلب طويل الأجل. وتضم محفظة الشركة مشاريع وأصولاً موزعة على عدد من المدن السعودية، في مقدمتها الرياض وجدة، إلى جانب مكة والمدينة والقصيم.
المشاريع الكبرى تغير طريقة احتساب المخاطر
كلما ارتفع حجم المشروع، ازدادت أهمية طريقة تمويله وتنفيذه.
إنشاء مشروع سكني محدود يختلف عن تطوير منطقة متكاملة تضم آلاف الوحدات ومساحات تجارية وخدمات وبنية تحتية. المشاريع واسعة النطاق تحتاج عادة إلى مراحل تنفيذ أطول، وتنسيق أكبر مع الجهات المختلفة، وقد تتطلب دخول شركاء أو مستثمرين آخرين.
لهذا السبب أصبحت المشاريع المشتركة جزءاً مهماً من نماذج شركات العقار الكبرى. بدلاً من أن تتحمل شركة واحدة كامل تكلفة الأرض والتطوير والمخاطر، يمكن توزيع الأدوار ورأس المال بين عدة أطراف.
وتضع دار الأركان المشاريع المشتركة الاستراتيجية ضمن المجالات الأساسية لنشاطها، وهو ما يتيح لها المشاركة في مشاريع أكبر مع توزيع بعض متطلبات رأس المال والتنفيذ.
هذا لا يلغي المخاطر، لكنه يغير شكلها. فنجاح المشروع يصبح مرتبطاً أيضاً بجودة الشريك وهيكل الاتفاقية وتوزيع الأرباح والمسؤوليات والقدرة على تنفيذ المشروع ضمن الجدول الزمني المستهدف.
التوسع الدولي أصبح مساراً مستقلاً للنمو
جانب آخر من تطور المجموعة تمثل في نقل جزء من نشاط التطوير الدولي إلى دار جلوبال، التي توسعت في عدد من أسواق العقارات الفاخرة خارج المملكة.
شهد هذا المسار إطلاق مشاريع في أسواق مثل الإمارات وقطر وعُمان وإسبانيا والمملكة المتحدة، إلى جانب العودة إلى السوق السعودي بمشاريع جديدة. كما أصبح التعاون مع علامات عالمية في مجالات الأزياء والضيافة والتصميم جزءاً من استراتيجية بعض هذه المشاريع. ويظهر التقرير السنوي لدار الأركان أن هذا التوسع الدولي تسارع بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة.
وتشير دار جلوبال إلى اعتمادها بدرجة كبيرة على نموذج أقل كثافة في الأصول، يسمح بتوسيع المحفظة مع تقليل حجم رأس المال المرتبط مباشرة بكل مشروع مقارنة بنموذج التطوير التقليدي. وفي نهاية 2025 ذكرت الشركة أن القيمة التطويرية الإجمالية لمحفظتها بلغت نحو 23 مليار دولار.
بالنسبة للمجموعة، يعني ذلك أن النمو لم يعد مرتبطاً فقط بعدد الوحدات التي يمكن تطويرها وبيعها داخل سوق واحد، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالقدرة على إدارة شبكة أوسع من المشاريع والاستثمارات والشراكات.
ماذا يعني تغير نموذج الأعمال للمستثمر؟
عندما تتغير طبيعة الشركة، تتغير أيضاً المؤشرات التي يحتاج المستثمر إلى مراقبتها.
في شركة تعتمد أساساً على بيع الوحدات، قد تتركز المتابعة على عدد الوحدات المباعة، ومتوسط سعر البيع، وهوامش التطوير، وقيمة المخزون العقاري. أما عندما تتسع الأنشطة لتشمل الأصول المدرة للدخل والاستثمارات والشركات التابعة والمشاريع المشتركة، تصبح الصورة أكثر تعقيداً.
لذلك فإن متابعة سهم دار الاركان لا ترتبط فقط بحركة أسعار العقارات السكنية، بل تستدعي أيضاً فهم مصادر إيرادات الشركة، وطبيعة أصولها، ومستوى الديون وتكاليف التمويل، وقيمة الأراضي، وأداء الاستثمارات والمشاريع المشتركة.
ومن المهم كذلك الفصل بين حجم المشروع وقيمته الاقتصادية الفعلية. الإعلان عن مشروع ضخم لا يعني تلقائياً تحقيق إيرادات أو أرباح بالقيمة نفسها، لأن النتائج تعتمد على حصة الشركة في المشروع، وهيكل التمويل، وتكاليف التنفيذ، وجدول التسليم، ونسبة المبيعات المحققة.
التمويل عنصر أساسي في استراتيجية التوسع
لا يمكن فصل نمو شركات العقارات الكبرى عن التمويل. فالأراضي والمشاريع الضخمة تحتاج إلى مبالغ كبيرة قبل أن تبدأ في توليد الإيرادات، ولذلك تلعب السيولة والديون وأسواق رأس المال دوراً رئيسياً في قدرة المطور على التوسع.
استخدمت دار الأركان إصدارات الصكوك على مدى سنوات ضمن أدوات تمويل أعمالها. وفي 2025 أصدرت الشركة صكوكاً بقيمة 750 مليون دولار تستحق في 2030، استمراراً لبرنامج تمويل طويل الأجل شمل عدة إصدارات سابقة.
بالنسبة للمستثمر، لا يكفي النظر إلى حجم التمويل المتاح. الأهم هو مقارنة تكلفة التمويل بالعائد المتوقع من المشروعات، ومتابعة مواعيد الاستحقاقات، وقدرة الشركة على توليد تدفقات نقدية كافية لخدمة التزاماتها.
نموذج أكثر تنوعاً، لكنه أيضاً أكثر تعقيداً
يمكن تلخيص تطور دار الأركان بأنه انتقال تدريجي من نموذج المطور الذي يشتري الأرض ويبني ويبيع، إلى منصة عقارية أوسع تجمع بين التطوير والاستثمار وإدارة الأصول والأراضي الاستراتيجية والشراكات والاستثمارات المالية.
هذا التنوع يمكن أن يفتح مصادر جديدة للنمو ويقلل الاعتماد على نوع واحد من النشاط، لكنه يجعل تقييم الشركة أكثر تعقيداً أيضاً. فالمستثمر يحتاج إلى النظر بصورة منفصلة إلى قيمة الأراضي، وربحية المشاريع، والدخل المتكرر من الأصول، والاستثمارات في الشركات العقارية، والالتزامات المالية.
ولهذا فإن فهم الاتجاه الذي يتحرك إليه نموذج الأعمال قد يكون أكثر فائدة من الاكتفاء بمراقبة عدد الوحدات التي تبيعها الشركة في ربع مالي واحد. في الشركات العقارية الكبيرة، القيمة المستقبلية لا تتحدد فقط بما تم بيعه بالفعل، بل أيضاً بطريقة توظيف الأراضي ورأس المال والشراكات لبناء مصادر دخل جديدة على مدى سنوات.
